مكارم الأخلاق في نظر الإمام الصادق (ع) ...بقلم سماحة السيد فاضل علوي

مكارم الأخلاق في نظر الإمام الصادق (ع)
بقلم/ السيد فاضل علوي آل درويش الموسوي
ورد عن الإمام الصادق (ع) لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى تكون فيه خصال ثلاث : الفقه في الدين ، وحسن التقدير في المعيشة ، والصبر على الرزايا )
حقيقة الإيمان الإيمان لغة هو التصديق المطلق ، وشرعاً : هو التصديق بالله ، بأن يصدق بوجوده وبصفاته ، وبرسله ، بأن يصدق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله ، وبكتبه بأن يصدق بأنها كلام الله وأن مضمونها حق ، وبالبعث من القبور وبالصراط والميزان ، وبالجنة والنار ، وبالملائكة بأنهم موجودون ، وأنهم عباد مكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون ، يسبحون الله بالليل والنهار لا يفترون ، مطهرون من أنواع الشهوات من الأكل والشرب إلى غير ذلك ، وفي الحديث عنه (ع) عن أدنى ما يكون العبد به مؤمناً ، فقال : يشهد ألا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، ويقر بالطاعة ، ويغرف إمام زمانه ، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن ) والإيمان يرد على صيغتين : الإيمان بالله ، والإيمان لله . فالإيمان بالله هو التصديق بإثباته على النعت الذي بكبر يائه والإيمان لله هو الخضوع والقبول عنه ، والإتباع لما يأمر و الانتهاء لما ينهى ، وقد ورد عن الإمام الباقر (ع) : الإيمان ما كان في القلب ، والإسلام ما عليه التناكح والتوارث وحقنت به الدماء ، و الإيمان يشرك الإسلام ، والإسلام لا يشرك الإيمان ) ( البحار ج 50 ص 208 ) وعن رسول الله (ص) : ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ، ولكن الإيمان ما خلص في القلب وصدقة الأعمال ( البحار ج 69 ص 72 ) فالإيمان إذاً له جانب نظري وهو الاعتقادات التي يصدق بها العبد ، والجانب الآخر هو الجانب العلمي ، ويتمثل بالأعمال الصالحة ، والورع عما حرم الله ، والرضا بقضاء الله .
نموذج إيماني ورد عن الإمام الباقر (ع) : بينا رسول الله (ص) في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا : السلام عليك يا رسول الله ، فقال (ص) : ما أنتم ؟ قالوا : نحن مؤمنون ، قال (ص) : فما حقيقة إيمانكم ؟ قالوا : الرضا بقضاء الله ، والتسليم لأمر الله ، والتفويض إلى الله تعالى ، فقال (ص) : علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء ، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ، ولا تجمعوا ما لا تأكلون ، واتقوا الله الذي إليه ترجعون ) ( معاني الأخبار ص 187 ) ، وعن الإمام الكاظم (ع) : قال رسول الله (ص) لحارث بن مالك : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت والله يا رسول الله من المؤمنين ، فقال رسول الله (ص) :لكل مؤمن حقيقة ، فما حقيقة أيمانك ؟ قال : أسهرت ليلي ، وأنفقت مالي ، وعزفت عن الدنيا ، وكأني أنظر إلى عرش ربي - جل جلاله - وقد أبرز للحساب ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون ، فقال رسول الله (ص) : هذا عبد قد نور الله قلبه ، قد أبصر فا لزم ، فقال : يا رسول الله ، ادع لي بالشهادة ، فدعا له فاستشهد يوم الثامن) ( البحار ج22 ص 146 )
درجات الإيمان مما تقدم تبين أن الإيمان هو العمل الصالح الصادر عن نية واعتقاد صادق ، والعمل الصادر من المؤمن له درجات ، كما قال تعالى ( لهم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ) ( آل عمران الآية 163 ) ، أي الناس متفاوتون في المنازل عند الله يوم القيامة ، فلمن اتبع رضوان الله الكرامة والثواب الجزيل ، فالصدق مثلاً له درجات ، وكذلك الوفاء والعلم وبقية أركان الإيمان ، فالإيمان يزداد وينقص بحسب أعمال العبد ، قال تعالى ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون ) ( التوبة الآية 124 ) ، أي إذا أنزلت سورة من سور القرآن الكريم ، قال المنافقون بعضهم البعض ) سخرية واستهزاء : من منكم ازداد إيماناً ويقيناً بنزول هذه الآيات ؟ ولماذا كل هذا التخويف والوعيد ؟ أما المؤمنون بالله ورسوله ، فزادتهم إيماناً فوق إيمانهم ، و يقيناً فوق يقينهم ، فهم يفرحون عند نزولها ، وقد ورد أمير المؤمنين (ع) : إن الإيمان ليبدو لمظة بيضاء في القلب ، فكلما ازداد الإيمان عظماً ازداد البياض ، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله ) ( فالرواية تصور ازدياد الإيمان بالنقطة البيضاء التي تكبر شيئاً حتى يصير القلب أبيض كله .
كمال الإيمان والمقصود بكمال الإيمان هو تمامه ، والوصول إلى أعلى درجاته ، وقد ورد في الروايات الشريفة إلى بعض مظاهر كمال الإيمان ، ومنها : إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل ، وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق ، ولا يخاف في الله لومة لائم ، ولا يرائي ، وتقديم أمر الآخرة على الدنيا ، والصدق وحسن الخلق ، والإنصاف من نفسه ، وغيرها ، وهي مصاديق للعمل الصالح المبني على اعتقاد ونية صادقة ، ونذكر بعض الروايات الدالة على أمثلة لكمال الإيمان ، ومنها ما ورد عن الإمام الجواد (ع) : لن يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يؤثر دينه على شهواته ، ولن يهلك حتى تؤثر شهواته على دينه ) ( كشف الغمة ج3 ص 138 ) وعن رسول الله (ص) : لا يكمل عبد الإيمان بالله حتى تكون فيه خمس خصال : التوكل على الله ، والتفويض إلى الله ، والتسليم لأمر الله ، والرضا بقضاء الله ، والصبر على بلاء الله ، إنه من أحب في الله ، وأبغض في الله ، وأعطى لله ، ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان ) ( البحار ج77 ص 177 ) الفقه في الدين الدين هو وضع إلهي الأولي العقول يتناول الأصول و الفروع . و الفقه هو الفهم ، قال تعالى : (و لكن لا تفقهون تسبيحهم) ، ثم خص به (علم الشريعة) ، فالفقه هو العلم بالأحكام الشرعية ، و الفقيه : هو الذي علم ذلك و اهتدى به إلى استنباط ما خفي عليه . فالفقه في الدين هو البصيرة في أمر الدين ، كما ورد عن الرسول (ص) : لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ، و حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة ، ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتاً الدين الحق قال تعالى : (فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مدد له من الله يومئذ يصدعون) (الروم الآية 43) ، أي اعتصم بدين الإسلام الدين القيم الذي أوحاه الله إليك ، لأن الله حكم و قضى به . فالدين هو ما يعتقده الإنسان من منهج يوصله إلى السعادة في الدنيا و الآخرة ، و لا يشمل الجانب العبادي فقط ، بل هو مجموعة من القوانين تشمل : العبادات ، المعاملات ، الأخلاقيات ، الاجتماعيات ، الاقتصاديات . قال السيد الطباطبائي : دين التوحيد وحده هو القوي على إدارة المجتمع و سوقة إلى منزل السعادة ، و الدين المحكم غير المتزلزل الذي فيه الرشد من غير غي ، و الحقيقة من غير بطلان ، و لكن أكثر الناس لأنسهم بالحس و المحسوس و إنهماكهم في زخارف الدنيا الفانية حرموا سلامة القلب و استقامة العقل لا يعلمون ذلك ، إنما يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة معرضون) (الميزان ج11 صـ178ــ) ، ومما يدل على أن مفهوم الدين يشمل جميع جوانب حياة الإنسان ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) : (إن لأهل الدين علامات يعرفون بها ، صدق الحديث ، و أداء الأمانة ، و الوفاء بالعهد ، و صلة الرحم ، و رحمة الضعفاء ، و قلة المؤتاة للنساء ، و بذل المعروف ، و حسن الخلق ، و سعة الخلق ، و اتباع العلم ، و ما يقرب إلى الله عز وجل ، طوبى لهم حسن مآب) (أمالي الصدوق صـ183ــ) التفقه في الدين قال تعالى : (و ما كان المؤمنون لينفروا من كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (التوبة الآية 122) أي لا ينبغي الخروج جميع المسلمين للغزو ، بحيث تخلو منهم الديار ، بل يخرج البعض ، و يبقى البعض مع رسول الله (ص) ، ليتفقهوا في الدين ، حتى إذا رجع المجاهدون من غزواتهم ، علمهم هؤلاء ما اقتبسوه من رسول الله (ص) من معارف و علوم شرعية ، ليحذروا عقاب الله بمخالفة أوامره و نواهيه . و قد ورد أن رجلاً جاء إلى النبي (ص) ليعلمه القرآن ، فانتهى إلى قوله تعالى : (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * و من يعمل مثقال ذرة شر يره) ، فقال : يكفيني هذا وانصرف ، فقال رسول الله انصرف الرجل وهو فقيه ) (البحار ج92 صـ107ــ) ، فالرواية تدل على أن الفقه في الدين هو الورع في دين الله و العمل بطاعته . و لذا قال أبو حامد الغزالي : الفقه ، فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل و التحويل ، إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى ، و الوقوف على دقائق عللها ، و استكثار الكلام فيها ، و حفظ المقالات المتعلقة بها ، فمن كان أشد تعمقاً فيها و أكثر اشتغالاً بها يقال : هو الأفقه ، و لقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقاً على علم طريق الآخرة ، و معرفة دقائق آفات النفوس ، و مفسدات الأعمال ، و قوة الإحاطة بحقارة الدنيا ، و شدة التطلع إلى نعيم الآخرة ، و استيلاء الخوف على القلب ، و يدلك على ذلك قول الله تبارك و تعالى : (ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) ، و مابه الإنذار و التخويف هو هذا العلم و هذا الفقه ، ... و قال تعالى : (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) ، فأحال قلة خوفهم من الله عز و جل ، واستعظامهم سطوة الخلف على قلة الفقه) (المحجة البيضاء ج1 صـ81ــ) ، و قال الشهيد الثاني (قده) : إن مجرد تعلم هذه المسائل المدونة ليس هو الفقه عند الله تعالى ، و إنما الفقه عند الله تعالى بإدراك جلاله و عظمته ، و هو العلم الذي يورث الخوف و الهيبة و الخشوع ، و يحمل على التقوى و معرفة الصفات المخوفة فيجتنبها ، و المحمودة فيرتكبها ، و يستشعر الخوف و يستشير الحزن كما نبه الله تعالى عليه في كتابه (... لينذروا قومهم ...) ، و الذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم المدون ، فإن مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات ، و حفظ الأبدان بالأموال ، و بدفع القتل و الجراحات و المال ... و إنما العلم المهم هو معرفة سلوك الطريق إلى الله تعالى و قطع عقبات القلب ، التي هي الصفات المذمومة ، و هي الحجاب بين العبد و بين الله تعالى ، فإذا مات ملوثاً بتلك الصفات كان محجوباً عن الله تعالى ، و من ثم كان العلم موجباً للخشية) (منية المريد صـ157ــ) مثال للفقيه جاء رجل من مريدي الآخوند محمد تقي المجلسي ، و قال له : إن جاري يضايقني ، فتراه بجمع الفساق و الأشرار في بيته ليلاً ، و يقضي عيشه بالرقص و الشراب ، فهل عندكم سبيل لإصلاحه؟ ، فقال له الشيخ المجلسي : ادعوهم هذه الليلة إلى وليمة و سأحضر أنا أيضاً ، فدعاهم الرجل لتناول طعام العشاء في بيته ، فقال رئيس الأشرار : ما الذي حدث حتى تنضم إلينا؟ فقال الرجل : هكذا حدث ، و غمرهم الفرح بذلك لأنه أضيف واحد إلى حلقتهم ليزيد عددهم ، و في الليل دخل المجلسي المنزل قبلهم جميعاً و جلس في زاوية من المنزل ، ثم جاء رئيس الأشرار يصحبه أتباعه فجلسوا ، فلما شاهدوا الشيخ المجلسي في المجلس بدت عليم علائم عدم الارتياح و لم يستطيبوا ذلك ، فلأراد رئيس الأشرار أن يخرج الشيخ من المجلس ، فالتفت إلى الشيخ و خاطبه : الشيء الذي عندكم أفضل أم الشيخ الذي عندنا ؟ فقال الشيخ : كل واحد منا بين خواص لوازم عمله ، و عند ذلك يظهر أينا أفضل؟ فقال رئيس الأشرار : هذا الكلام منتهى الإنصاف ، فقال : إن من إحدى صفاتنا أننا لم نخن أحداً ممن أكلنا من زاده ، فقال الشيخ : إنني لا أقبل هذا الكلام منك ، فقال رئيس الأشرار : و هذا مسلم عندنا . فقال الشيخ : ألم تأكل من طعام الله ، فلماذا تخونه ؟ فلما سمع رئيس الأشرار هذا الكلام أخذ يتأمله و قام من مكانه ، و خرج مع أصحابه فقال صاحب المنزل للشيخ : لقد ساء الموقف أكثر ، و هام خرجوا من النزل بغضب و انزعاج ، فقال الشيخ : أما و الأمر قد بلغ إلى هذا الحال ، لنر بعدها ماذا يكون ؟ فلما أصبح الصبح جاء رئيس الأشرار إلى منزل الشيخ ، و قال : إن كلامكم لي في الليل قد أثر بي تأثيراً بالغاً ، فها أنا قد تبت و اغتسلت غسل التوبة ، و جئتك لتعلمني مسائل الدين ، و هكذا اهتدى بسب تأثير كلام الشيخ المجلسي ، و الذي أخرج هذا الرجل من ظلمات الانحراف إلى نور الهداية .
الصبر عند البلاء الصبر هو حبس النفس عن إظهار الجزع ، وحبس النفس على المكروه امتثالاً لأمر الله ، وهو من أفضل الأعمال ، حتى قال النبي : الإيمان شطران : شطر صبر ، و شطر شكر ) . قال تعالى ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم وأولئك هم المهتدون ) ( البقرة الآية 155 - 157 ) ، أي ولنختبركم أيها الناس بشيء يسير من أنواع البلاء ، مثل الخوف من الأعداء ، والجوع الشديد بسبب القحط والجدب ، وذهاب بعض الأموال ، وفقد بعض الأحباب ، وضياع بعض الزروع والثمار ، وبشر الصبرين على المصائب والمحن بالأجر والثواب الجزيل من رب العالمين . ( الذين إذا أصابتهم مصيبة ... ) أي هم الذين إذا أصيبوا بمكروه أو بلاء ، قالوا : نحن عبيد وملك لله ، ونحن راجعون له للحساب والجزاء . ( أولئك عليهم صلوات ... ) أي هؤلاء الصابرون لهم ثناء وتمجيد ورحمة عظيمة من الله ، وهم المهتدون إلى طريق السعادة والفلاح . ورد عن الإمام الصادق (ع) : لا تعدن مصيبة أعطيت عليها الصبر ، واستوجبت عليها من الله ثواباً بمصيبة ، إنما المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها ، وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها ) ( البحار ج 71
قرينة بني الله داود (ع) في الجنة ورد عن الإمام الصادق (ع) : أوحى الله تعالى إلى داود (ع) : أن خلادة بنت أوسى بشرها بالجنة ، وأعلمها أن قرينتك في الجنة ، فانطلق إليها ، فقرع الباب عليها ، فخرجت وقالت : هل نزل في شيء ؟ قال : نعم ، قالت : وما هو ؟ قال : إن الله تعالى أوحى إلي ، وأخبرني أن قرينتي في الجنة ، وأن أبشرك بالجنة ، قالت : أو يكون اسم وافق اسمي ؟ قال : إنك لأنت هي ، قالت : يا نبي الله ما أكذبك ، ولا والله ما أعرف من نفسي ما وصفتني به . قال داود (ع) : أخبريني عن ضميرك وسريرتك ما هو ؟ قالت : أما هذا ، فسأخبرك به ، أخبرك أنه لم يصبني وجع قط نزل بي كائناً ما كان ، ولا نزل ضر بي وحاجة وجوع كائناً ما كان إلا صبرت عليه ، ولم أسأل الله كشفه عني حتى يحوله الله عني إلى العافية والسعة ، ولم أطلب بها بدلاً ، وشكرت الله عليها وحمدته ، فقال داود : فبهذا بلغت ما بلغت ) ( البحار ج68 ص 89 )
الصبر جميل قال تعالى ( فاصبر صبراً جميلاً ) ( المعارج الآية 5 ) ، ورد عن الإمام الباقر (ع) : لما سئل عن الصبر الجميل : ذلك صبر ليس فيه شكوى إلى الناس ) ( الكافي ج 2 ص 93 ) وعن رسول الله (ص) : أوحى الله إلى أخي عزيز : يا عزيز إن أصابتك مصيبة فلا تشكني إلى خلقي ، فقد أصابني منك مصائب كثيرة و لم أشك إلى ملائكتي ، يا عزيز اعصني بقدر طاقتك من عذابي) (كنز العمال ل3234) و عن جابر قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : ما الصبر الجميل؟ قال : ذاك الصبر ليس فيه شكوى إلى الناس ، إن إبراهيم بعث يعقوب إلى راهب من الرهبان (إلى عابد من العباد) في حاجة ، فلما رآه الراهب حسبه إبراهيم فوثب إليه فاعتنقه ، و قال : مرحباً بك يا خليل الرحمن ، فقال يعقوب : لست بإبراهيم ، و لكني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فقال له الراهب : فما بلغ بك ما أرى من الكبر؟ قال : الهم و الحزن و السقم ، فما جاوز صغير الباب حتى أوحى الله إليه : يا يعقوب شكوتني إلى العباد؟ فخر ساجداً على عتبة الباب ، يقول : رب لا أعود ، فأوحى الله إليه أني غفرتها لك ، فلا تعودن لمثلها ، فما شكى مما أصاب من نوائب الدنيا إلا أنه قال : إنما أشكو بني و حزني إلى الله و أعلم من الله مالا تعلمون (البحار ج68 صـ93ــ) من هدي النبي (ص) ورد عن حفصة بن غياث ، قال أبو عبد الله (ع) : عليك بالصبر في جميع أمورك ، فإن الله عز و جل بعث محمد (ص) فأمره بالصبر و الرفق ، فقال (واصبر على ما يقولون و اهجرهم هجراً جميلاً * و ذرني و المكذبين أولي النعمة) ، و قال تبارك و تعالى : (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم * و مايلقاها إلا الذين صبروا و مايلقاها إلا ذو حظ عظيم) ، فصبر (ص) حتى نالوه بالعظائم ، ورموه بها ، فضاق صدره ، فأنزل الله عز وجل عليه (و لقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك و كن من الساجدين) ، ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك ، فأنزل الله عز وجل (قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون * و لقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا و أوذوا حتى أتاهم نصرنا) . فألزم النبي (ص) نفسه الصبر ، فتعدوا فذكروا الله تبارك و تعالى ، و كذبوه فقال : قد صبرت في نفسي و أهلي و عرضي ، و لا صبر لي على ذكر إلهي ، فأنزل الله عز وجل (لقد خلقنا السموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام و ما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون) ، فصبر في جميع أحواله ، ثم بشر في عترته بالأئمة ، و وصفوا بالصبر ، فقال جل ثناؤه (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون) . فعند ذلك قال (ص) : الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، فشكر الله عز وجل ذلك له ، فأنزل الله عز وجل (وتمت كلمة ربك الحسنى بما صبروا و دمرنا ما كان يصنع فرعون و قومه و ما كانوا يعرشون) (البحار ج68 صـ60ــ) ثواب الصابرين قال تعالى : (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر الآية10) أي لا يحصى ثوابهم ، بل يصب صباً ، و قد ورد عن رسول الله (ص) : إذا أراد الله بعبده خيراً ، أو أراد أن يصافيه ، صب عليه البلاء صباً و ثجه عليه ثجاً ، فإذا وعاه قالت الملائكة بصوت معروف ، و إذا دعاه ثانياً: فقال : يا رب ، قال الله تعالى : لبيك عبدي و سعديك ، ألا تسألني شيئاً إلا أعطيتك ، و أرفعت لك ما هو خير ، وادخرت لك عندي ما هو أفضل منه ، فإذا كان يوم القيامة جيء بأهل الأعمال فوزنوا أعمالهم بالميزان ، أهل الصلاة و الصيام و الصدقة و الحج ، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم الميزان ، و لا ينشر لهم ديوان ، يصب عليهم الأجر صباً ، كما كان يصب عليهم البلاء صباً ، فيود أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض لم يرون ما يذهب به أهل البلاء من الثواب ، فذلك قوله تعالى : (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وعن الإمام الصادق (ع) : من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد) الحكمة من الابتلاء 1) رفع المنزلة و الدرجة عند الله ، و تكفير السيئات فيما يصيب العبد من ألم و أذى إلا رفعه الله بها درجة ، فقد يكون للعبد درجة عند الله تعالى إلا يبلغها بعلمه ، فيبتليه الله تعالى حتى يرفعه إليها ، فالابتلاء طريق لتكفير سيئات العباد ورد أن نبياً من الأنبياء اشتكى إلى ربه ، فقال : يا رب ، العبد المؤمن يطيعك و يجتنب معاصيك تزوى عنه الدنيا و تعرضه للبلاء ، و يكون العبد الكافر لا يطيعك و يجتري على معاصيك تزوى عنه البلاء و تبسط له الدنيا ، فأوحى الله تعالى إليه : إن العباد إلي و البلاء لي ، و كل يسبح بحمدي ، فيكون المؤمن عليه من الذنوب ، فأزوي عنه الدنيا ، و أعرض له البلاء فيكون كفارة لذنوبه حتى يلقاني ، فأجزيه بحسناته ، و يكون الكافر له من الحسنات ، فأبسط له في الرزق ، و أزوي عنه البلاء فأجزيه بحسناته في الدنيا حتى يلقاني فأجزيه بسيئاته) 2) تصفية النفوس : جعل الله الابتلاء وسيلة لتصفية نفوس العباد ، و معرفة المحق منهم و المبطل ، وذلك لأن المرء قد لا يكشف في الرخاء لكنه تكشفه الشدة ، قال تعالى : (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) (العنكبوت الآية2) ، فهل يظن الناس أنهم سيتركون في هذه الحياة دون اختبار و ابتلاء؟ لمجرد أنهم قالوا بلسانهم آمنا؟ الأمر ليس كذلك ، بل لابد من امتحاناتهم ، لتمييز الصادق من المنافق ، و قد نزلت الآيات في قوم من المؤمنين ، كان المشركون يؤذونهم ويعذبونهم ، فضاقت صدورهم واستبطئوا النصر ، فواساهم الله بهذه الآيات ، وأعلمهم أن تلك سنته في عباده ، يسلط الكفار على المؤمنين ، ليمحصهم ويرفع درجاتهم ، ويظهر الصادق من المنافق ، كما جرى ذلك في الأمم السابقة ، التي ابتلاها الله بأنواع المحن والمصائب ، فالابتلاء سنة إلهية مبنية على الحكم والمصالح ، وقد كان في الأمم السابقة من ينشر بالمنشار ، ويمشط بأمشاط الحديد ، ليرجع عن دينه ، فيصبر ويتحمل الأذى والبلاء ، ما يصده ذلك عن دينه .
صبراً آل ياسر كان والد عمار بن ياسر من بني عنس من قبائل اليمن ، قدم مكة وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي ، فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها ( سمية بنت الخياط ) ، فولدت له عماراً ، ولما بدأ الرسول يصدح بالدعوة إلى الإسلام أسلم ياسر وسمية وعمار ، وأخوه عبد الله بن ياسر ، فغضب عليهم مواليهم ( بنو مخزوم ) غضباً شديداً ، صبوا عليهم العذاب صباً ، كانوا يخرجونهم إذا حميت الظهيرة فيعذبونهم برمضاء مكة ، ويقلبونهم ظهراً لبطن ، فيمر عليهم الرسول وهم يعذبونهم ، فيقول : صبراً آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة ، وجاء أبو جهل إلى سمية فقال لها : ما آمنت بمحمد إلا لأنك عشقته لجماله ، فأغلظت له القول ، فطعنها بالحربة في ملمس العفة فقتلها ، فهي أول شهيدة في الإسلام ، وبذلك سطرت بهذا الموقف الشجاع أعلى وأغلى ما تقدمه امرأة في سبيل الله ، لتبقى كل امرأة مسلمة ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، ويهفو قلبها إلى الإقتداء بها ، فلا تبخل بشيء في سبيل الله ، بعد أن جادت سمية بنت خياط بدمها في سبيل الله . 3- الكشف عن خبايا النفوس : فالله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله ، مغيب عن علم البشر ، فيحاسب إذاً على ما يقع من علمهم ، لا على مجرد ما يعلمه ، سبحانه من أمرهم ، وهو فضل من الله من الجانب ، وعدل من جانب ، وتربية للناس من جانب ، فلا يأخذوا أحداً إلا بما استعلن من أمره وبما حققه من فعله ، فليسوا أعلم من الله بحقيقة قلبه . ورد عن أمير المؤمنين في قوله تعالى ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) : ومعنى ذلك أن الله يختبر عباده بالأموال والأولاد ليتبين الساخط لرزقه والراضي بقسمه ، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ، ولكن لتظهر الأفعال التي يستحق بها الثواب والعقاب ) ( نهج البلاغة ص 20 ) فالإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة بحاجة إلى عداد خاص ، لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ، وبالاستعلاء الحقيقي على الشهوات ، وبالصبر الحقيقي على الآلام ، وبالثقة الحقيقية في نصر الله وثوابه ، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء ، فالنفس تصهرها الشدائد ، فتنفي عنها الخبيث ، وتطرقها بعنف وشدة ، فيشتد عودها ، ويصلب ، وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات ، فلا يبقى صامداً إلا أصلبها عوداً ، وأشدها اتصالاً بالله ، وثقة فيما عنده من الأجر . ورد عن رسول الله (ص) : كان الرجل قبلكم يؤخذ فيحفر له الأرض ، فيجعل فيها فجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ، فيشق باثنين ما يصده ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد مما دون لحمه من عظم أو عصب ما يصده ذلك عن دينه ) ( كنز العمال ص 809 ) التوسط في النفقات قوله (ع) وحسن التقدير في المعيشة ) ، أي ترك الإسراف والتقتير (البخل) ولزوم الوسط ، أي جعلها بقدر معلوم يوافق الشرع والعقل . قال تعالى ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) ( الفرقان الآية 67 ) ، أي إذا أنفقوا لم يكونوا مبذرين في إنفاقهم في المطعم و المشرب والملبس ، ولا بخلاء يقصرون ويضيقون في الإنفاق ، بل هم وسط معتدلون ، فكما أن التبذير مذموم ، كذلك البخل والتقتير مذموم . ورد عن الإمام الصادق (ع) : إن من بقاء المسلمين و بقاء الإسلام أن تصير الأموال عند من يعرف فيها الحق ، ويصنع فيها المعروف فإن من فناء الإسلام وفناء المسلمين أن تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحق ، ولا يصنع فيها المعروف ) ( الكافي ج 4 ص 52 ) وعن أمير المؤمنين (ع) : من صحب الاقتصاد دامت صحبة الغنى له ، وجبر الاقتصاد فقره وخلله ) ( غرز الحكم ص 565 ) وعن الإمام الباقر : قال الإمام على بن الحسين : لينفق الرجل بالقصد وبلغة الكفان ، ويقدم منه فضلاً لآخرته ، فإن ذلك أبقى إلى النعمة وأقرب للمزيد من الله وأنفع في العافية ) ( الكافي ج 4 ص 52 ) وقال تعالى ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً ) ( الإسراء الآية 29 ) غل اليد : كناية عن البخل ، كما أن بسطها كل البسط : كناية عن الإسراف والتبذير ، أي لا تكن بخيلاً ، مانعاً عن الإنفاق ، كمن شدت يده إلى عنقه ، فلا يستطيع أن يخرج من جيبه شيئاً من المال ، ولا تكن مسرفاً مبذراً ، كمن يلقي كل ما في يديه من المال ، حتى لا يبقى معه شيء ، (فتقعد ملوماً محسوراً ) أي تصبح فقيراً عديم المال ، يلومك الناس ويذموك ، كم انقطع في سفره بانقطاع دابته ، والحسير : الدابة تعجز عن السير ، فتقطع صاحبها عن متابعة السفر ، فهذه الآية أرسلت أصول الاقتصاد ، فلا بخل ولا تقتير ، ولا إسراف ولا تبذير ، و خير الأمور الوسط ، وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) : أربعة لا يستجاب لهم دعاء : ... و رجل كان له مال فأفسده ، فيقول : يا رب ارزقني ، فيقول له : ألم آمرك بالاقتصاد؟ ألم آمرك بالإصلاح؟ ثم قرأ (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواماً) (البحار ج68 صـ344ــ) ترك الإسراف الحد الأول للاقتصاد قلنا إن الاقتصاد في المعيشة يقع بين حدين هما الإسراف و البخل فالإسراف هو بذل المال في غير وجهه ، قال تعالى : (وكلوا وشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) (الأعراف الآية 31) ، أي لا تسرفوا في الأكل و الشرب و اللباس ، مما يضر بالنفس أو بالمال ، لأنه سبحانه لا يحب المجاوزين حدود الله ، فيما أحل لهم وحرم . و قد ورد عن الإمام الصادق (ع) : للمسرف ثلاث علامات : يشتري ما ليس له ، و يلبس ما ليس له ، و يأكل ما ليس له) (البحار ج72 صـ206ــ) الإسراف هو الإنفاق في غير وجهه قال تعالى : (وآت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل و لا تبذر تبذيراً) (الإسراء الآية 26) ، أي امنح الأقارب حقوقهم من العون و الإحسان ، و أعط المحتاج أيضاً ، و الغريب المنقطع في سفره ، مما أعطالك الله من المال ، و لا تنفق المال في غير وجوه المنفعة ، فتصبح من أشباه الشياطين و أمثالهم ، الذين يسعون في الأرض بالفساد ، وينفقون أموالهم في المعصية ، فلو أنفق إنسان ماله كله في الحق ، و في وجوه الخير و الإحسان ، لم يكن مبذراً ، و لو أنفق مداً - أي صاعاً من القمح - في غير حق كان مبذراً ، ورد عن الإمام الصادق (ع) : من أنفق شيئاً في غير طاعة الله فهو مبذر ، و من أنفق في سبيل الخير فهو مقتصر) (تفسير العياشي ج2 صـ288ــ) ترك البخل الحد الآخر للاقتصاد قال تعالى : (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل و من يبخل فإنما يبخل عن نفسه و الله الغني و أنتم الفقراء) (محمد الآية38) ، أي ها أنتم تدعون للإنفاق في الجهاد و وجوه الخير ببعض أموالكم ، فمنكم من يمسك عن الإنفاق ، و من يبخل عن الإنفاق فإنما يضر نفسه لأنه يمنعها ، الأجر و الثواب . ورد عن أمير المؤمنين (ع) : (البخيل من يبخل على نفسه باليسير من دنياه ، و يسمح لوارثه بكلها) (غرر الحكم :1409)
|